فخر الدين الرازي
76
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . إعلم أنه تعالى بيّن أولاً : أن الانفاق منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يكون كذلك ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، ثم ذكر ثانياً : أن الانفاق قد يكون من جيد ومن رديء ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، وذكر في هذه الآية أن الانفاق قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً ، وذكر كل واحد من القسمين ، فقال : * ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) * ( التوبة : 103 ) وقال : * ( إنما الصدقات للفقراء ) * وقال صلى الله عليه وسلم : " نفقة المرء على عياله صدقة " والزكاة لا تطلق إلا على الفرض ، قال أهل اللغة أصل الصدقة " ص د ق " على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال ، ومنه قولهم : رجل صدق النظر ، وصدق اللقاء ، وصدقوهم القتال ، وفلان صادق المودة ، وهذا خل صادق الحموضة ، وشئ صادق الحلاوة ، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحاً كاملاً ، والصديق يسمى صديقاً لصدقه في المودة ، والصداق سمي صداقاً لأن عقد النكاح به يتم ويكمل ، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل ، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه ، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه . المسألة الثالثة : الأصل في قوله * ( فنعما ) * نعم ما ، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر ، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة : قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم * ( فنعما ) * بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد ، قال : لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص : " نعما بالمال الصالح للرجل الصالح " هكذا روي في الحديث بسكون العين ، والنحويون قالوا : هذا يقتضي الجمع بين الساكنين ، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين ، نحو : دابة وشابة ، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضاً عن الحركة ، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس